التغير الإجتماعي عند إبن خلدون
ورقة عمل مقدمة لندوة إبن خلدون التي تعقدها الجمعية السعودية لعلم الاجتماع

إعداد / مراد بن علي زريقات
دكتوراه علوم أمنية
جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية
الرياض 2007

ملخص الورقة
الإنسان كائن اجتماعي وراثيا واعتياديا، فغريزةالإجتماع تعد لازمة أساسية من لوازم الطبيعة البشرية وخصيصة ضرورية من خصائص الكائن البشري البيولوجية والنفسية.فالحياة البشرية لها مقومات لا تستمر الابتوافرها،ودعائم لا تستقر ويكتب لها الدوام إلا على أساسها،وقد كان للعلامة العربي عبد الرحمان بن خلدون جهدا -لاينكره إلا جاحد- في هذا المجال حيث أشار قبل غيره في القرن الرابع عشرا لميلادي إلى أن الاجتماع الإنساني ضروري وخلص من خلال رحلة علمية شائقة إلى اكتشاف علم قائم بذاته يهتم بدراسة الاجتماع الإنساني وهو علم العمران البشري.ويعد التغيير الاجتماعي من أبرزالظواهرالتي تلقي اهتماما واسعا في الدراسات الاجتماعية،على اعتبار أن التغيير أحد أهم القوانين التي تحكم العمران البشري والتي نبه ابن خلدون إلى ضرورة اكتشافها لفهم سنن الاجتماع الإنساني،وفقه نواميس الحياة.وقد ألح ابن خلدون على ضرورة التقصي الدقيق لعوامل تطور وتدهورا لمجتمعات عبر التاريخ،والاستفادة منها ،لأن الدراسة المتأنية الواعية لأحداث التاريخ وتمحيص عوامل التغير عبر العصور تفيدنا في فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل. وتُبنى فلسفة ابن خلدون التغييرية على اعتبار أن جميع التحولات التي يشهدها العالم العربي الإسلامي يجب النظر إليها في إطار العلاقة الجدلية بين الفكرة الدينية والإنسان العربي المسلم،وبالتالي فان منهج التغيير في ضوء هذه المقولة يقوم على الجمع بين السنن الإلهية والقوانين الطبيعية في النفس والاجتماع،وبناءا عليه فإن نظرية ابن خلدون في التغييرالإجتماعي تقوم على دعائم أساسية هي:1-الاستبصار الإيماني(الرؤية الدينية)2-الأداة التاريخية(الجماعة أو العصبية)3- الاقتران بين الاستبصار الإيماني والواقع الاجتماعي في حدوث عملية التغيير الاجتماعي.

معنى التغيير:
تعامل ابن خلدون مع موضوع التغير الاجتماعي من خلال التتبع الدقيق لعمر الدولة باعتبارها موجهة الفعل السياسي والاجتماعي، نشوءا وتطورا، وضعفا وانهيارا.
يؤكد ابن خلدون أن التغيير سمة ثابتة من سنن العمران البشري ولازمة أساسية من لوازمه ولا يحصل تطور الأفراد والمجتمعات والدول إلا بها حيث يقول: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول".
ويقول كلالده ( 1997 )، أن علماء الاجتماع يقولون " إن الشيء الوحيد الذي لا يتغير هو التغير نفسه "، وذلك لان التغيير حالة مستمرة تحصل بفعل إرادي أو غير إرادي عن قصد أو غير قصد، بتخطيط مسبق أو بصورة عفوية تلقائية أو بحكم الظروف، وقد يكون التغيير في البيئة الداخلية أو الخارجية بكل انعكاساته السلبية والإيجابية(1).
فابن خلدون أثبت قبل الكثير من العلماء أن التغيير سنة كونية، ومسلمة اجتماعية، تعتري بني البشر في شتى أحوالهم، ومختلف شؤونهم.
أماعن ديناميكية عملية التغيير،من حيث السرعة والبطء أو القوة والضعف ،فهذه ترجع إلى جملة الظروف المحيطة بعملية التغيير ذاتها،فبينما يعتبر ابن خلدون في القرن الرابع عشر أن عملية التغيير،شديدة الخفاء،ولاتقع إلا بعد أحقاب متطاولة،ولا يكاد يتفطن لها إلا الآحاد من أهل الخليقة،نجد عالم الاجتماع الأمريكي'ألفين توفلر'AlvinToffler' يرى بأننا نعيش في مجتمع متغير تحدث فيه التغيرات بصورة سريعة يصعب التحكم بها أو تعديلها، مما يؤشر على أن عمليةالتغييرمحكومة بعامل الزمان والمكان، وحتى في هذا الزمن الذي يوصف فيه العالم بالقرية الصغيرة تتباين موجات التغيير عالميا تبعا لطبيعة كل مجتمع على حدى،فبينما تجري عملية التغيير بوتيرة سريعة في المجتمعات الغربية تظل عمليات التغيير في البلدان النامية باهتة وبطيئة في كثير من الأحيان، ونتيجة خنق عمليات التغيير، يحدث التغيير فجأة بشكل عنيف، ويحدث الكثير من الآثار السلبية.ومع إقرارنا بعدم وجود مجتمع ساكن أو راكد تماما، فإن هذه الحركية الاجتماعية تتراوح بين البطء، وتنجم عنها تغيرات طفيفة،والسرعة لتنجر عنها تغيرات واسعة النطاق.

2- فلسفة التغيير الاجتماعي في الفكر الخلدوني:
يقرر ابن خلدون بأن دراسة ظواهر الاجتماع على هذا النحوالذي أتى به،علم غير مسبوق ،بمنهج غير مطروق من قبل،وأن ماتوصل إليه يمثل ثمرة يانعة لبحث وتنقيب طويل في جوهر الظواهر الاجتماعية حيث يؤكد في هذا الصدد: "واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص".ويقوم منهج ابن خلدون التغييري على المرتكزات التالية :

2-1- الإستبصارالإيماني:
يرى ابن خلدون أن الملك مسؤولية تقع على عاتق من يتصدى للحكم،ويسعى لإسعاد الرعية،بنشر العدل والإنصاف ونبذ الظلم والإجحاف،ولن يتأتى له ذلك إلا إذا كان متشبعا بروح إيمانية قوية يُبصرمن خلالها نور الحق ويسعى بما أوتي من قوة وسلطان لإشاعته بين الناس."فإذا كان السلطان وجب أن يكون معه ويصحبه الشرع ليكون عليه عينا ويلجم نوازعه التي تغريه بالشر وتمنعه من العدوان وتحول دون صيرورته سبعا ضاريا يستطيب الكل من ولي أمره"(2).فالماسك بالسلطة يجب أن يكون متشبعا بروح إيمانية قوية تسمو به إلى سياسة الرعية بالعدل،ودفع الظلم عنها،ولذلك نجد ويؤكد ابن خلدون أن السلطة السلطة السياسية تعد محورا أساسي في التغيير الاجتماعي،فبإمكانها بما تحمله من سمات شخصية وإمكانيات مادية ومعنوية أن تدفع عجلة التغيير،واقضي على الركود في المجتمع بتهيئة أفراد المجتمع نفسيا لقبول التغيير والإسهام في إنجاحه وتفعيله في كل مجالات الحياة،ويقرر ابن خلدون بهذا الصدد أن: السبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد،أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه،ومع الإقرار بأهمية دور القائد في تحفيز أتباعه على التغيير،إلا أن اعتبار ذلك وحده كافيا أمر تعترضه الكثير من الصعوبات،فالكثير من القادة المتحمسين حاولوا أن ينشروا ثقافة الوعي بالتغيير في الأنفس إلا أن جهودهم تعرضت لموجات عاتية من الصد،وأُرغموا على التراجع عن برامجهم التغييريةلأنهم لم يجدوا الأرض المواتية لزراعة أفكاره التنويرية،أو لم يفلحوا في إقناع المجتمع باحتضانها وتأمين الحياة لها، وهكذا نجد ابن خلدون في غير مناسبة يستدرك آراءه التي أطلقها بشأن قدرة السلطان النافذة في التمكين لعملية التغيير،إذ يعود ليقرر في موضع آخر أن هذه الأحوال والعوائد هي المسؤولة عن تبدل الناس منطلقات وثوابت نظر وتفكير..فيكون السلطان صدى لها لا مشكلا لأوضاعها ومقررا لما تكون عليه(3).والبعض من الحكام يسعون إلى مجاراة الرعية،وإيهامهم بالاستجابة لتطلعاتهم حتى يخلو لهم الجو للانفراد بالجاه والنفوذ" إن ممارسة السلطة تعتبر من طرف ابن خلدون مصدرا من المصادر الأساسية للترف...وهكذا يمكن لرجل يمتلك الجاه أن يحصل قي فترة وجيزة على ثروة هائلة"(4).وبالنظرالىهذه الانحرافات التي تحصل في سياسات بعض الملوك - الذين قد يستأثرون بالمُتع ويتقلبون في النعيم، بينما تغرق الرعية في البؤس والمعاناة- يدعو ابن خلدون الىالإلتزام بقواعد الشريعة منهجا وتطبيقا باعتبارها الضامنة لتصريف شؤون الناس بالحق وسياستهم بالعدل باعتباره أساس دوام الملك، فإذا الملك ضروريا لاستمرار الاجتماع الإنساني،فإن العدل أكثر ضرورة لدوام الملك.

2-2- الجماعة أو العصبية:
يرى ابن خلدون أن العصبية لازمة ضرورية من لوازم الملك القوي،بل هي أهم أسس قيام الدولة،تقوى بقوتها وتضعف بل وتنهار بأفول نجمها وكل سلطان ليس له عصبية تشد عضده يعد ملكه ناقصا،لذلك انفردت العصبية بعناية خاصة في التنظير الخلدوني،الذي جاء فيه أن:"من قصرت به عصبيته عن بعضها،مثل حماية الثغور،أو جباية الأموال،أو بعث البعوث،فهو مُلك ناقص لم تتم حقيقته"
اعلم أن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما‏:‏ فالأول الشوكة والعصبية وهو المعبر عنه بالجند، والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال‏،‏ والخلل إذا طرق الدولة طرقها في هذين الأساسين‏(5).
وقد جعل ابن خلدون العصبية نموذجاً تفسيرياً في دراسة الممالك وتبدل الدول وتغير النظم السياسية ،وعلاقة ذلك بمفهوم العمران البشري ،وتطور المجتمع وأحوال المعيشة والاقتصاد،وقد أولى ابن خلدون عناية خاصة لظاهرة العصبية،لأنه قرأ مفردات الواقع العربي من خلال معايشته له،واهتدى من خلال ملاحظاته واستقراءاته إلى أن العصبية هي قوة الملك وجنده الذي يوفر له الحماية والمنعة،ويجب أن تكون عصبية الملك أقوى العصبيات جميعا وأقدرها على فرض سلطان الملك على الكافة،ويعد تقهقر صولة العصبية أمارة التغيير،لأن العصبية إذا أدركها الوهن ضعفت عن حماية الملك،وجعلته قبلة الطامعين من العصبيات الأخرى،التي ما فتئت تتحين الفرص للانقضاض على الملك.وتأسيسا عليه فإن "العصبية تؤدي إلى المنعة والغلبة،والعصبية تسمو إلى الرياسة،والرياسة تبعث على التطلع إلى الملك،ومن ثم فإن الملك لا يقوم أصلا بغير العصبية،ويظل قويا بقوتها ويضعف بضعفها"(6).

2-3- الاقتران بين الإستبصارالإيماني وفقه الواقع الاجتماعي:
ويكون بالجمع بين الرؤية الفكرية المستقاة من الفكرة الدينية،وبين الأدوات المتوفرة قصد تنزيل هذه الأفكار على الواقع بعد قراءته بتأني ووعي وفهم دقيق،وبذلك انتقل من الفكرة إلى العمل والتجسيد،وتتحول الرؤية النظرية إلى التطبيق العملي، وبذلك يتحقق فعل التغيير في المجتمع.فبالعصبية، مع الوازع والشرع-أي القانون والدين ورجالات السلطان وجنده،تقوم الدولة وبدونها تنحل وتتحلل مقوماتها وتنتهي كينونتها من حيث هي أداة قمع وردع وتنظيم وقيادة...(7).ذلك أن الفكرة الدينية تحتاج إلى حماية ولن تكفل ذلك سوى قوة العصبية،"ومبرر ابن خلدون هوان القوم إذا أدركوا واقعهم بفضل هذه الفكرة ساروا تلقائيا للتمسك بها والدفاع عنه وتأمين الحياة والحماية لها"...فإذا حصل لهم الإستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء،لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه"(9).

ويبدو الحرص الشديد لابن خلدون على مد جسور التلاقي بين الأخلاق والدين والسياسة والاجتماع،معتقدا أم مختلف هذه الجوانب تتكامل لتساهم في تحضر الإنسان وتساميه الفطري ورقيه الاجتماعي.فالتغيير الاجتماعي محكوم في التصور الخلدوني بدعامتين بارزتين هما:
• النظام القيمي(الدين)،
• والنظام الاجتماعي(العصبية)،
والإنسان باعتباره عصب عملية التغيير يتأرجح سلوكه تساميا و تدهورا،بتأرجح هذين النظامين قوة وضعفا.

خاتمة:
يجد الباحث نفسه وهو يتناول بعض الجوانب من شخصية ابن خلدون ،واستطلاع آرائه الثاقبة في مسائل الاجتماع الإنساني ،أمام شخصية علمية نابغة،اكتسبت دراية واسعة بشؤون الحكم والسياسة،من خلال تقلبه في المناصب،ومعايشته للسلاطين وحواشيهم،ولذلك جاءت أراءه مشبعة بهذه الخبرة،طافحة بملاحظاته النابعة من تجاربه المكتسبة من اطلاعه العلمي ومراسه السياسي.
ولذلك يحتل ابن خلدون في التراث العربي الإسلامي وفي الفكر الغربي المعاصر،مكانة متميزة ،فهو أحد الرواد الذين شيدوا البناء الفكري لصرح العلوم الإنسانية، وعلى رأسها علم الإجتماع،ويُنظر إليه على أنه صاحب رؤية حضارية خاصة ،ولاسيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري ،والمجتمع الإنساني والعمران الحضاري ،ويتجاوز بعض الدارسين له ذلك فيتحدثون عن عبقريته في الفكر الاقتصادي والتربوي والسياسي وغير ذلك من الحقول المعرفية.
لقد كان ظهور العلامة العربي ابن خلدون في القرن الرابع عشر بمثابة الانعطافة الكبرى التي غيرت أسلوب التفكير ومنهج النظر في شؤون العمران البشري والاجتماع الإنساني،وقد وضع ابن خلدون لهذا الاجتماع جملة من الحاجات هي بمثابة الأركان التي يتكىءعليها الاجتماع البشري،وتعد الأسرة أولى هذه القواعد باعتبارها أقدم أشكال التنظيم الاجتماعي وثمرة من ثمرات هذا الاجتماع،كما أن هذا الاجتماع لايمكن أن يكتب له البقاء والاستمرار دون وجود علاقات اجتماعية بين أطراف المعادلة الاجتماعية بحيث يحدث التناغم في هيئة شراكة اجتماعية تشكل أس الاجتماع وأصل العمران، غير أن هذه العلاقات بما تفرزه من آثار اجتماعية لاتستمر على وتيرة واحدة، وإنما تعتريها بعض حالات الضعف والفتور والتوتر أحيانا بما يحيلهاالى تدابر وعداوة، ومن ثمة فلا بد من توافر الوازع الذي يدفع الظلم ويردع العدوان حتى لا تستحيل الحياة الاجتماعية إلى فوضى.وتظل الحاجة إلى عقيدة توحد أبناء المجتمع من أهم بواعث الاجتماع الإنساني ذلك أن الحاجة إلى التدين ظاهرة لازمت الوجود البشري لاسيما إذا كانت العقيدة سليمة توحد أبناء الاجتماع البشري وتحقق لهم الشعور السامي بالتلاحم والانتماء.

قائمة المراجع

المصادر:
-المقدمة
المراجع:
1-شرف ، سلوى ،التغيير والتطوير الإداري.
http://www.almualem.net/taghieer4.html
2-مبارك ،محمد ،مقاربات في العقل والثقافة،دار الشؤون الثقافية العامة،بغداد،ط1 2004، ص220.
3- المرجع نفسه،ص222.
4- الشدادي، عبد السلام،ابن خلدون من منظور آخر،دار توبقال للنشر،المغرب ط1 2000،ص38،37.
5- تاريخ ابن خلدون ،ج01
http://www.al-eman.com/islamlib/viewchp.asp?BID=163&CID=19#s
6-الشكعة ،مصطفى،الأسس الإسلامية في فكرابن خلدون،الدار المصرية اللبنانية،القاهرة،ط2 1988،ص70.
7- محمد مبارك، المرجع السابق،ص220-221.
8- الجابري ،محمد عابد ،العصبية والدولة،مركزدراسات الوحدة العربية ،بيروت،1984،ص120،119.

عودة إلى الأبحاث والمقالات >>
 

 



جميع الحقوق محفوظة - مراد زريقات