الاعتداء على السجناء

 أثناء التحقيق بإنتزاع الإقرار منهم

 

 

 

ورقة عمل مقدمة للندوة الثانية

 للإصلاح والتأهيل في المؤسسات الإصلاحية

(المحور الثالث :حقوق الإنسان في السجن ،الفقرة الثالثة : مرحلة التحقيق)

بالتعاون ما بين وزارة الداخلية السعودية وجامعة الإمام محمد الإسلامية

 

 

من إعداد

مراد بن علي زريقات

 دكتوراة علوم أمنية

جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية

 

الرياض 2007 م  

  

 

 

 

مقدمة

 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن السجون لدرجة أنها أصبحت في الكثير من الأحيان حديث الساعة ، فقد أصبحت قضية إعلامية تحدثت عنها وسائل الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية ومختلف ومواقع الإنترنت وغيرها من وسائل الإتصال والتواصل ، فمن منا لم يرى مشاهد من فضائح الاعتداء على السجناء بأبو غريب، ومن منا لم يشاهد ما تناقلته محطات التفلزه عن صور الإهانة التي يتعرض لها السجين في غوانتنامو ، ومن منا لم يقرأ تحقيقاً لصحفي مجتهد تابع السجون الجماعية في بعض البلدان العربية والأجنبية والتي لم يكن يعلم بها أحد ( تدويل السجون) ومن منا لم يدخل حواراً مع صديقاً له عبر شبكات الانترنت في الحديث عن هذا السجين أو ذاك ، كل هذا وذاك مواضيع ربما  أثارت فضول المعرفة والتقصي عند الباحثين المهتمين في هذا المجال ، وحيث أن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كان لها الفضل في التصدي لهذه القضية من خلال عقد ندوة للإصلاح والتأهيل في المؤسسات العقابية والإصلاحية من أجل الخروج بتوصيات وأوراق علمية نأمل أن تكون ذات إضافة نوعية ، لهذا كان لنا شرف المشاركة بهذه الورقة .    

وحيث أن مختلف الدول تحرص على توفير الأمن للمواطنين والسهر على راحتهم ، بغية تحقيق الاستقرار النفسي والمادي ، من خلال منح القانون لموظفي الأمن صلاحيات البحث وضبط مخالفي القانون ومرتكبي الجرائم ، تمهيداً لمحاكمتهم وإنزال العقوبات القانونية بحقهم ، أو السعي لمنع الجريمة قبل وقوعها .

ويقوم هؤلاء الموظفين ببذل قصارى جهودهم عبر الليل والنهار لتحقيق الأمن للمجتمع والعمل على تحقيق سيادة القانون ، لا بل أن موظفي الأمن ينفردون بميزه عن باقي موظفي الدولة ، فهم في الغالب الأعم يتعاملون مع كافة شرائح المجتمع ، مع التركيز على أناس ضلوا طريق الهداية وسولت لهم أنفسهم الاعتداء على المواطنين وسلبهم أموالهم والتعدي على أعراضهم وحقوقهم المتعددة ، وتجد هذه الفئة في رجال الأمن قيداً على حريتها ولذلك ينظرون إليهم نظرة العداء لتصل إلى حد الإعتداء عليهم وسلبهم أقدس حق في الوجود ، حق الحياة !!

بناءاً على ماسبق تبرز ضرورة منح موظفي الأمن صلاحيات لا تمنح لغيرهم من موظفي الدولة نظراً لأهمية الواجب الذي يقومون به ، وبالفعل منحهم القانون في الكثير من الدول الكثير من الاختصاصات ، والتي قد يشكل ممارستهم لبعضها إرتكاب أفعال تعد جرائم إذا ما ارتكبت من غيرهم أو من قبلهم ، ولكن ليس ضمن الشروط والضوابط التي حددها القانون وتنطلق مختلف القوانين التي منحت هذه الاختصاصات بإعتبار أداء الواجب سبب من أسباب التبرير .

ولما كان هذا السبب من أسباب التبرير الذي يرتبط مباشرة بالأعمال التي يقوم بها رجال الأمن يقابلة بالواقع العملي مسؤوليتهم عن التصرفات التي يتجاوزن بها اختصاصاتهم سواء كانت الجزائية أو التأديبية أو المدنية أو من حيث التحري والتحقيق ، جاءت هذه الورقة بهدف بيان مسؤولية رجال الأمن والفصل بين الأعمال التي تدخل ضمن حالات أداء الواجب مما يجعل هذه التصرفات عملاً مبرراً ، وبين التصرفات التي فيها خروج وتجاوز عن الاختصاصات والتي تؤدي إلى مسائلتهم بهدف ردعهم عن المساس بحقوق المواطنين وحرياتهم.

 

وبهدف الاحاطة بكافة الجوانب المتعلقة بموضوع الورقة فقد قسمت إلى ثلاثة أقسام رئيسية  هما : القسم الأول موظفي الأمن وأداء الواجب والأثار المترتبة على تجاوزهم لإختصاصاتهم والتي تتمثل ببطلان الاجراءات التي قاموا بها ، بينما يتناول القسم الثاني دور موظفين الأمن في جريمة إنتزاع الإقرار من بعض السجناء ، ويتناول القسم الثالث حقوق السجين أثناء التحقيق .

  

القسم الأول : موظفي الأمن وأداء الواجب

 تحدث الجريمة في حال وقوعها إضطراباً اجتماعياً مما يتطلب من الدولة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإلقاء القبض على فاعلها ، وتقديمه للقضاء لينال حقه من العقوبة ، التي تهدف إلى ردعه وردع غيره عن إرتكاب الجرائم ، وتقوم الدولة بهذا الواجب من خلال موظفين مؤهلين هم موظفي المؤسسات الأمنية المختلفة ، لهم من الصلاحيات ما يكفل القدرة على القيام بهذا الدور المهم للمجتمع ، لذا فإن هؤلاء الموظفين مخولين من خلال السلطة لاستقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها والتحقيق معهم وإحالتهم على المحاكم المختصة لمحاكمتهم ( محمود نجيب حسني ، 1988، ص 503).

وعلى وجه الخصوص يجري التمييز بين فئتين رئيسيتين من فئات موظفي الأمن:.

1- الفئة الأولى ذات الاختصاص العام بالنسبة لجميع الجرائم التي تقع في دائرة اختصاصها المكاني على وجه عام ، ومثالهم المدعي العام ومساعدوه .

2- الفئة الثانية وهي ذات اختصاص خاص في جرائم معينة ، فليس لها صفة الضبط القضائي فيما عداها ومثالهم موظفي الرقابة الصحية والعمل والآثار وغيرهم .

أما فيما يتعلق باختصاصات هؤلاء الموظفين فإنه يمكن القول بأن هناك اختصاصات أصلية تمنح لهم بموجب القانون مثل استقصاء الجرائم وجمع أدلتها والقبض على فاعليها ، بدءاً من تلقي الإخباريات والشكاوى ، والانتقال إلى مسرح الجريمة وجمع الأدلة عن طريق رفع البصمات ، ورفع آثار الآلات وضبط الأسلحة المستخدمة ، وتصوير مسرح الجريمة ، والاستماع إلى أقوال الأشخاص الحاضرين أو المتهمين والتحقيق معهم  في مسرح الجريمة ، فإذا ما قام هؤلاء الموظفين بجميع الإجراءات السابقة بصورة مشروعة فإنها تكون صحيحة منتجة لآثارها طالما لم يتضمن عملهم خلقاً لجريمة أو التحريض عليه (محمد الحلبي ، 1996 ، ص 310).

أما الاختصاصات الاستثنائية فإنها منحت لهؤلاء الموظفين لمواجهة الحالات المستعجلة وفي الظروف الاضطرارية المفاجئة ، حيث يحق لهم في حال وقوع جرم مشهود أو حالما يطلبهم صاحب المنزل ، أن ينظموا ورقة الضبط ويستمعوا لإفادات الشهود وأن يجروا التحريات وتفتيش المنازل وسائر المعاملات التي هي في مثل هذه الأحوال من وظائف المدعي العام .

وبذا نجد أن اختصاصات موظفي الأمن تهدف لتطبيق القانون على الأشخاص الخارجين على القانون نظراً لما يخلفه ارتكابهم للجريمة من اضطراب اجتماعي ينشأ عنه حق الدولة في تعقب الجاني ، ووصولاً للغاية المنشودة في إيقاع العقوبة ، ومن هنا يأتي الدور الهام والخطير لموظفي الأمن بالاضطلاع بدور تقصي الجرائم وتعقب فاعليها ولابد أن يستند هؤلاء الأفراد لنصوص قانونية تبيح لهم التصرفات التي تشكل مساس بحقوق المواطنين وحرياتهم ( فاروق الكيلاني ، 1985 ،ص 92).

     

حالات أداء الواجب

تتمثل حالات أداء الواجب بالحالتين التاليتين :

1-حالة إتيان فعل تنفيذا للقانون :

مما لا شك فيه أنه عندما يفرض القانون على أحد الأشخاص سواء أكان مواطناً عادياً أم موظفاً واجباً معيناً ، فإن هذا الفرض يزيل الصفة الجرمية عن الفعل الذي يقوم به تنفيذا للقانون ولو كان هذا الفعل مجرماً أصلاً ، بحيث يغدو مبرراً  ولا يصلح أن يكون مصدراً للمسؤولية المدنية أو الجزائية ، حيث أن هذه الحالة تتضمن حكماً بديهياً وهو أن الفعل الذي يرتكب تنفيذاً لما تأمر به القوانين لا يشكل جريمة ، بل ويعد هذا الحكم تطبيقاً مباشراً لما نصت عليه القوانين العامة  ( كامل السعيد ، 2002 ، ص 179) .

ومن تطبيقات تنفيذ القانون من قبل المواطن العادي ، إلقاء القبض على كل متلبس بجناية أو جنحة يجوز في التوقيف قانوناً ، فبالرغم من أن إلقاء القبض يشكل جرم حجز الحرية إلا أنه في هذه الحالة يكون فعل المواطن مبرراً مما يزيل الوصف الجرمي عن الفعل .

 

2- حالة إتيان فعل تنفيذاً لأمر مشروع صادر عن سلطة مختصة :

وتتوفر هذه الحالة عندما يلزم القانون بفعل أو يرخص به ولكن يقيد مباشرته بصدور أمر من رئيس بذلك ، ويلجأ المشرع إلى ذلك عندما يكون الفعل خطير مما يتطلب إحاطته بضمانات خاصة تتمثل بضرورة صدور الأمر به من رئيس مختص (نظام المجالي ، 1992، ص 204)

وفي هذه الحالة لابد من توفر الشروط التالية :

·   صدور الأمر من مرجع ذي إختصاص ، يخوله القانون سلطة إصدار هذا الأمر سواء كان القانون يلزمه بإصدار الأمر أم يرخص له فقط السلطة التقديرية لإصداره.

·   اختصاص المرؤوس بتنفيذ العمل المأمور به من المرجع المختص ، فإذا لم يكن المرؤوس مختصاً فلا يستفيد من الإباحة لو قام بتنفيذ الفعل المأمور به .

·   مطابقة الأمر الصادر للقانون أي أن يكون هذا الأمر مشروعاً ، أما إذا كان الأمر غير مشروع تعين على الموظف المرؤوس رفضه وعدم القيام به تحت طائلة المسؤولية ، إذ لا طاعة لرئيس في معصية القانون (عبدالمنعم سليمان ، 2000 ، ص 406)

 

وتقوم المسؤولية لتجاوز موظفي الأمن على توفر عنصري الوعي والإرادة :

 

ولعله من السهولة بمكان إثبات توافر الوعي لدى رجال الأمن ، حيث أنه لا ينتمي لهذا الجهاز إلا من توافرت به مجموعة من الشروط أهمها أن يكون في سن تساعده على تحمل مشاق العمل وعارفاً بالعمل الذي يقوم به ومدركاً لخطورته والمشاكل التي ستواجهه ، أما فيما يتعلق بالإرادة فإنه يقصد به حرية الاختيار ، أي إمكانية أن يوجه الموظف إرادته حراً نحو ارتكاب الجريمة ، ولا يحق له أن يحتج بأنه ارتكب الفعل إطاعة لأمر صدر إليه من مرجع مختص يوجب عليه القانون إطاعته (المجالي ، مرجع سابق ، ص 205)

ويجب التأكيد على أن مسؤولية رجل الأمن لا تنعدم في حالة الجهل بالقانون وتبقى قائمة وهذا ينطوي على القيام بالدخول للمنازل بدون مذكرة تفتيش أو القبض على أحدى المواطنين واحتجازهم دون توفر الأدلة .

 

حالة الاعتقاد الخاطئ بمشروعية الفعل من قبل موظفي الأمن

إن قيام أفراد الأمن بالواجبات المطلوبة منهم في ضوء زيادة العبء الملقى عليهم قد يجعلهم يقدمون على أفعال يعتقدون بمشروعيتها ، وتتمثل هذه بما يلي :

 

1- حالة إعتقاد الموظف أن الفعل من اختصاصه :

ومؤدى هذه الحالة أن يتجاوز موظفي الأمن حدود الاختصاص الذي رسمه له القانون ، كما لو قام بالقبض على شخص غير مطلوب القبض عليه بحسن نية معتقداً أنه الشخص المطلوب القبض عليه ، أو قام بحسن نية بتفتيش منزل غير المنزل المطلوب تفتيشه ، وخروج الموظفين في مثل هذه الحالات على حدود اختصاصه يكون نتيجة عدم الدقة في معرفة حدوده أو نتيجة التسرع الذي هو وليد الاعتقاد الخاطئ ( المجالي ، مرجع سابق ، ص 206)

2- حالة تنفيذ أمر رئيس يعتقد الموظف وجوب طاعته :

ومؤدى هذه الحالة قيام أحد رجال الأمن بتنفيذ أمر صادر إليه من رئيسه ، ولكن هذا الأمر مشوباً بعيب من العيوب التي تخفى على الموظف فيقوم بتنفيذ الأمر معتقداً في وجوب طاعته لرئيسه (عبدالمنعم ، مرجع سابق ، ص 409)

وبالرغم من هاتين الحالتين لا يخرجان رجال الأمن من دائرة عدم المشروعية ، إلا أن أغلب فقهاء القانون الجنائي العربي يتجه إلى التوسع بأسباب التبرير على النحو التالي :

·   حسن النية : ويقصد بذلك أن يجهل تجاوزه لحدود الاختصاص المخول له فيما ينفذه من أحكام القانون أو أن يجهل الموظف مخالفة الأمر الصادر إليه من رئيسه الإداري بما يفضي إلى اعتقاده بوجوب طاعته له ففي هاتين الحالتين يعتبر الموظف حسن النية ويستفيد بالتالي من الإباحة المقررة رغم كون الفعل الذي قام غير مشروع في ذاته ، وحسن النية كشرط  لإباحة الفعل وعدم مساءلة الموظف هو الذي ينفي عنصر العلم في القصد الجنائي ، وينتفي القصد الجنائي ويتوافر حسن النية بالتالي في حالتين : أولهما الجهل أو الغلط في الوقائع ، ثانيهما الجهل أو الغلط في حكم قانون غير قانون العقوبات إذ يأخذ حكم الجهل أو الغلط في الوقائع بما ينفي القصد الجنائي ، ولكن على عكس هاتين الحالتين فإن جهل الموظف بأحد أحكام القانون الجنائي يعتبر جهلاً بالقانون لا يغتفر ويعد بالتالي سئ النية ويساءل جنائياً عما وقع منه .

·   الاعتقاد بمشروعية الفعل بناءاً على أسباب معقولة : ومؤدى هذا الشرط وجوب إعتقاد الموظف أن ما صدر عنه من فعل هو أمر مشروع وأن يكون ذلك استناداً إلى أسباب معقولة تسوغ هذا الاعتقاد .

·   قيام الموظف بالتثبت والتحري قبل إتيان الفعل : وهو شرط يعزز الشرطين السابقين ، فمن المتصور أن يكون الموظف حسن النية وأن يعتقد بالفعل بمشروعية عمله من الناحية النظرية ولكن هذا لا يكفي لنفي مسؤوليته الجنائية إذا لم يقم بواجب التثبت والتحري فكأن هذا الشرط ينقل عبئ إثبات حسن النية والاعتقاد بمشروعية العمل على عاتق الموظف ( المجالي ، مرجع سابق ، ص 209)

 

 

الآثار المترتبة على تجاوز رجال الأمن لاختصاصاتهم

 

وإستكمالاً للفائدة وحتى يكون رجال الأمن على معرفة تامة للآثار التي تترتب على تجاوزهم لاختصاصاتهم ، فإنه لابد من بيان أن تجاوزهم لهذه الاختصاصات يؤدي إلى قيام المسؤولية الجزائية والمدنية والتأديبية علاوة على بطلان الإجراءات التحقيقية وهذا ما سيتم تناوله فيما يلي :

 

أولاً : المسؤولية التأديبية والمدنية المترتبة على تجاوز موظفي الأمن اختصاصاتهم

هناك مسؤولية مدنية وتأديبية يسأل عنها أفراد الأمن إذا ما تجاوزوا اختصاصاتهم ، فإذا قام أحد أفراد الأمن العام بأي عمل ترتب عليه المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم فإن ذلك يوجب المسؤولية التأديبية والمدنية على النحو التالي :

1- المسؤولية التأديبية

عرفت العقوبة التأديبية بأنها : ( عقوبة تعلنها السلطة التنفيذية تجاه موظف عام ، بسبب ارتكابه مخالفة أثناء الخدمة أو بسببها ) (منصور العتوم ، 1984 ، ص 13)

والعقوبة التأديبية توقع إلى جانب العقوبة الجزائية ومن العقوبات التأديبية نذكر على سبيل المثال لا الحصر في بعض أنظمة الأمن في الدول العربية : تنزيل الرتبة ، حسم الراتب لمدة لا تزيد عن شهرين ، الحبس أو الحجز لمدة لا تتجاوز شهرين ، الاستغناء عن الخدمات ( قانون الأمن العام الأردني ، مواد 72 و 73)

2- المسؤولية المدنية

متى ارتكب الموظف العام جريمة ترتب عليه مساس بحقوق الآخرين وحرياتهم جسيمة كانت أم بسيطة ، فإن لها نتيجة غير مشروعة تتمثل في إعتداء على حق يحميه القانون كحق الحياة ، حق سلامة الجسم ، حق الحرية وغيرها ، فينشأ للدولة حق عقاب من اعتدى على الحق الذي يحميه القانون ، فحق العقاب يلازمه حق في الادعاء ، ولكن إذا أنتجت الجريمة ضرراً خاصاً وهو غالبية الجرائم ، فإنها تشكل إعتداءاً على فرد من أفراد المجتمع وهذا الضرر ينشئ له حقاً في التعويض ، ويمكنه اقتضاءه بطريق الدعوى عليها : دعوى الحق الشخصي أو الدعوة المدنية أو دعوى التعويض ، صاحبها والمدعي فيها هو المتضرر أو المجني عليه ، والمدعى عليه هو فاعل الجريمة وإلى جانبه المسؤول بالمال إن وجد ، وتضمن وتكفل القوانين هذا الحق حيث تنص على وجوب التعويض عن أي فعل فيه مساس بحقوق الأفراد يرتكبه موظفي الأمن .

 

ثانياً : بطلان الإجراءات التحقيقية

مما لاشك فيه أن القضاء يراقب الإجراءات التي يقوم بها موظفي الأمن الرامية لكشف الحقيقة من ناحيتي المشروعية والموضوعية ، وفيما إذا كانت الأدلة التي تتضمنها هذه الإجراءات موضع اعتداد من قبله في مجال الإثبات الجنائي وتأتي رقابته على مشروعية الإجراء في البحث عن مدى توافقه مع الحدود والضمانات القانونية المقررة لحماية الشخصية وحقوق الإنسان ، وتجد الرقابة الموضوعية للإجراء سندها في مبدأ حرية القاضي في الاقتناع ، وحريته في إستخلاص الحقيقة من أي مصدر مشروع ، بحيث يكون الإجراء ونتائجه المباشرة موضوع استبعاد من مجال الإثبات إذا لم يطمئن القاضي لدقته ومطابقته إلى القانون ( محمود حسن ، مرجع سابق ، ص 227)

 

ثالثاً : المسؤولية الجنائية المترتبة على تجاوز موظفي الأمن لاختصاصاتهم

 إن تجاوز موظفي الأمن لاختصاصاتهم بما يشكل من تعدي على حقوق الإنسان وحرياته يرتب المسؤولية الجنائية للموظفين المكلفين بتنفيذ القانون ، وقد نظم القانون هذه المسؤولية ونص على الجرائم التي يرتكبها هؤلاء الموظفين أثناء تأديتهم لواجباتهم وتبين أن أهم الجرائم ما يلي :

1-جريمة القبض بدون مسوغ قانوني

القبض على شخص وحرمانه من حريته ، بأي وسيلة وبدون أي أمر من سلطه مختصة وفي غير الأحوال التي يجيزها القانون جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات ، لأنه اعتداء على الحرية الشخصية بحجز المتهم وتقييد حريته في التجوال والحركة.

2-جريمة إحداث العاهة الدائمة

إذا أفضت أعمال العنف والشدة إلى مرض أو جرح كانت هناك عقوبة لموظف الأمن، ما لم تستلزم تلك الأعمال عقوبة أشد فقد يحث أثناء استعمال العنف والشدة مع المشتبه به أن ينجم عن هذه الأفعال إحداث عاهه دائمة فإننا نكون هنا أمام نموذج قانوني جديد للجريمة ونكون أمام جناية إحداث عاهة دائمة .

3-جريمة الضرب المفضي إلى الموت

ما هو الحكم إذا استعمل أحد الموظفين شدة أو عنف على أحد الأشخاص بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو بمعلومات بشأنها وأدى ذلك إلى الوفاة هذا الشخص ؟ مما لاشك فيه أننا هنا أمام نموذج قانوني آخر وهو ما يسمى ( جريمة الضرب المفضي إلى الموت ) الأمر الذي يؤدي إلى إيقاع العقوبة المناسبة بذلك وهذه الجريمة عندما يرتكبها ممثل السلطة تكون أشد خطورة من الفرد وتثير الرأي العام حيث أن الموظف العام مسؤول عن حفظ النظام والأمن ومنع الجريمة والتحري عنها بوسائل مشروعة وحماية الأرواح وليس الاعتداء عليها .

4-جريمة خرق حرمة المنازل المرتكبة من الموظف العام

تعتبر حرمة المساكن دعامة أساسية من دعائم الحرية الشخصية للإنسان وتحرص الشرائع السماوية والوضعية لحمايتها ، ووضع الضوابط والضمانات لدخولها ويعتبر الدخول غير القانوني لها جريمة يعاقب عليها القانون ، وتتبع حرمة المسكن من الشخص وحريته الشخصية ، لأن الحماية تقوم على احترام الحرية الشخصية ، وليست على فكرة الملكية ، فلا قيمة لحرمة حريته الشخصية ما لم تمتد إلى مسكنه الذي يحيا فيه ويودع به أسراره وخصوصياته ، وبناءاً عليه ، فلا يجوز لأفراد الأمن العام دخول المساكن وتفتيشها إلا في حالات محددة قانوناً (عبدالاله النوايسه ، 1999،ص 105)

5- جريمة انتزاع الإقرار ( التعذيب)

تعاقب معظم القوانين العامة في معظم الدول على هذه الجريمة ولقد وجدنا أن المشرع الأردني  يعاقب على هذه الجريمة في المادة (208) من قانون العقوبات التي تنص على أنه :

"1. إذا قام شخصاً بأي نوع من أنواع العنف والشدة التي لا يجيزها القانون بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها ، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر على ثلاثة سنوات .

2. إذا أفضت أعمال العنف والشدة هذه إلى مرض أو جرح كانت العقوبة من ستة أشهر إلى ثلاثة سنوات ما لم تستلزم تلك الأعمال عقوبة أشد."

وأول ما يلاحظ على هذا النص أنه يخاطب جميع الأفراد ، سواء كانوا موظفين أو غير ذلك ، وأن موقف المشرع الأردني محل نظر ، لأن الاعتداء الواقع من موظف إعتماداً على وظيفته يعتبر إعتداءاً باسم السلطة ولحسابها ، لأنه وقع باستخدام إمكانياتها وبين طرفين غير متكافئين هما السلطة من جهة والفرد من جهة أخرى.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الاعتراف الذي يدلي به الشخص في تحقيقات الشرطة له قيمة قانونية ، ويجوز للمحكمة الاعتماد على هذا الاعتراف واعتباره بينة أساسية ويبنى عليه الحكم إذا توافرت الشروط التالية :

·       أن يكون صادراً عن شخص مميز متمتع بإرادة حرة واعية

·       أن يكون صادراً بناءاً على إجراء قانوني صريح

·       أن يكون صريحاً محدداً لا لبس فيه ولا غموض

·       أن تقيم النيابة العامة البينة على الظروف التي أحاطت به

·   أن تقتنع المحكمة أنه تم الإدلاء به طوعاً وإختياراً وليس نتيجة الضغط والإكراه وإذا لم تقتنع به تطرحه جانباً ( تمييز جزاء رقم 133/2001 تاريخ 25/04/2001 المنشور في المجلة القضائية ص 469 سنة 2001)

وبالإضافة إلى ما تقدم من آثار قانونية تترتب على المساس بحقوق الإنسان ونهوض المسؤولية الجنائية والتأديبية والمدنية فإن هناك آثار أخرى ، وهي تتمثل في إستياء الرأي العام من تصرفات الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون عندما يستعملون التعذيب وغيره من المخالفات غير القانونية ، بحيث ينظرون إلى هؤلاء الموظفين والمؤسسات التي يمثلونها نظرة عدم الثقة بقدرتهم على اكتشاف الجريمة بوسائل قانونية مشروعة ، ويؤدي ذلك إلى عدم التعاون معهم ، وبالتالي تكون العلاقة بين السلطة القائمة على التحقيق الأولي والأفراد مبنية على عدم المحبة والتقدير ، وقد يؤدي ذلك إلى جراح يستغرق التئامها طويلاً ، وأضحى حامي الحق المعتدي الأثيم عليه ، لا سيما أن الواجب الرئيسي للموظفين الأمنيين هو حماية الأرواح والأعراض والممتلكات والسهر على راحة الأفراد ومن هذه الاعتداءات التي تخلق فجوة ما بين المواطن وما بين رجال الأمن جريمة انتزاع الإقرار وهذا ما سنبينه فيما يلي :

 

القسم الثاني : جريمة انتزاع الإقرار

 

مما لا شك فيه أن كثيراً من الجرائم يقع في الخفاء ، وإذا ما اكتشفت بدأت أدلتها غامضة لا تنبئ عن فاعلها ، لكل ذلك أجمعت التشريعات في العالم على الاعتراف بمرحلة إجرائية تسبق إقامة الدعوة العامة ، يتم من خلالها استقصاء الجرائم واستجلاء غموضها ، والبحث عن فاعليها ودوافعهم وأدلة الإثبات حول ذلك ، ومن هنا تبدو أهمية هذه المرحلة باعتبارها توفر على السلطات المنوط بها تحريك الدعوى والتحقيق والحكم بها جهداً ووقتاً ، إذ تتولى الجهات الأمنية وهي القائمة على هذه المرحلة مهمة تزويد هذه السلطة بأكبر قدر ممكن من المعلومات التي توفر لها العناصر اللازمة لإقامة الدوى العامة والتقرير والحكم ، ونلاحظ أن السلطة القائمة عليها لا تعتبر من أجهزة القضاء وإنما من أجهزة الشرطة ، فلا تملك سلطة تقدير مسؤولية المتهمين بالإدانة أو البراءة ودورها لا يتعدى سوى مساعدة القضاء .

بيد أن لدى رجال الأمن صلاحيات واسعة تتعدى مجرد استقبال الشكوى ومنع الجريمة وإجراء التحريات إلى الحصول على الدليل باعتباره بينة قانونية يبنى عليها ، وخصوصاً إذا إعترف المشتبه به لدى أفراد الأمن العام بارتكابه جرماً حيث يكفي هذا الاعتراف لوحده بالحكم عليه وإيقاع العقوبة المناسبة وذلك ضمن ضمانات وشروط إذا توافرت فيه .

وإذا كان وقوع الجريمة يورث اضطراباً اجتماعياً ينشأ للدولة حق في معاقبة الفاعل ، إلا أن ذلك يلقي مسؤولية كبيرة على رجال الأمن العام في ضرورة اكتشاف الجريمة وإلقاء القبض على الفاعل وجمع الأدلة لإحالته إلى القضاء ، ومن هنا نجد رجال الأمن يبذلون قصارى جهدهم حتى لا تبقى خيوط الجريمة غامضة ويصلون الليل والنهار في عمل دؤوب لتحقيق هذه الغاية ، ومن ضمن الإجراءات التي يتخذها أفراد الأمن العام بعد القبض على المشتبه به حين سماع أقواله للحصول منه على اعتراف بارتكاب الجريمة ، إلا أن القانون قد أحاط الاعتراف الذي يدلي به المشتبه به لدى الشرطة بضمانات لابد من مراعاتها وتوفرها في الاعتراف حتى يعتبر بينة قانونية تصلح أساساً للحكم ، وإذا لم تتوافر بالاعترافات الشرطية هذه الضمانات وثبت أنها انتزعت تحت وطأة الإكراه فسيكون مصيرها الإهمال وفقدت قيمتها القانونية كبينة .

ونجد أن الشريعة الإسلامية قد أوجبت عدم استعمال الشدة والعنف أثناء سماع الأقوال ، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ، وذهبوا إلى أن استعمال وسائل الإكراه للحصول على اعتراف حرام ويجب عدم أخذ المقر باعترافه ، واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه وتعالى:( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم): إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وما نهج عليه خلفاء رسول الله فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول) ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أخفته أو أجعته أو حبسته أن يعترف على نفسه )  .

وهذا ما تضمنته المواثيق الدولية المتعاقبة فنجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1949) قد نظم مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية (المواد 3-12) وتشمل على حق الفرد في الحياة والحرية والأمن ، والحق في عدم إخضاعه للتعذيب ولا للعقوبات القاسية والوحشية أو الإحاطة بالكرامة .

كما نجد أن هنالك اتفاقية خاصة لمناهضة التعذيب وهي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة سنة 1984 وعرفت المادة الأولى التعذيب بأنه : (أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسدياً كان أم عقلياً يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف ) كما أوجبت المادة (2) على كل دولة طرف أن تتخذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي .

ومن هنا سنسلط الضوء هنا على جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات من خلال تناول ما يلي:

أولاً : ماهية الاعتراف وأنواعه وشروط صحته وقيمته القانونية .

ثانياً : جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات .

 

أولاً : ما هية الاعتراف وشروط صحته وقيمته القانونية

 يعد مبدأ الشرعية أهم ضمانه أكتسبها الإنسان على مدى العصور ، فلا وجود لأي ضمانه أخرى بدون وجود مبدأ الشرعية ، فجميع الضمانات الأخرى تستمد وجودها منه  وتدور في فلكه فهو الضابط لأعمال السلطة والمرجع في حالة الإدعاء بالتجاوز ، فكل ما يتخذ من إجراءات أثناء التحقيق محكوم بمبدأ الشرعية الإجرائية ، فلابد أن تكون الإجراءات التي تتبعها جهات منفذه القانون منذ لحظة وقوع الجريمة وحتى تنفيذ العقوبة على الفاعل متفقاً مع القانون ، حيث يعطي القانون لرجال الأمن صلاحيات سماع أقوال المقبوض عليهم تمهيداً للحصول على إعترافات منهم إلا أن هذه الاعترافات لا قيمة قانونية لها إلا إذا توافرت بها شروط وضمانات وهذا ما نتناوله من خلال إستعراض النقاط التالية :

1- ما هية الاعتراف وأنواعه

2- شروط صحة الاعتراف

3- القيمة القانونية لاعتراف المشتبه به في تحقيقات الشرطة وفق ما إستقر عليه إجتهاد المحكمة.

ما هية الاعتراف وأنواعه

الاعتراف هو إقرار المتهم على نفسه بصدور الواقعة الإجرامية ، ويتضح من ذلك أن الاعتراف في جوهره تقرير أو إعلان ، وأن موضوعه هو الواقعة سبب الدعوى ونسبة هذه الواقعة إلى شخص ، وأنه يتعين أن يكون من صدر الإقرار عنه هو نفسه من تنسب إليه الواقعة بما يترتب عليه قيام مسؤولية جنائية عنها ( محمود حسني ، 1988، ص 460)

والاعتراف بهذا المعنى يقصد به الإقرار بالواقعة الجرمية ونسبتها إلى المشتكى عليه ، أما إقراره بواقعة أخرى غير الواقعة الجرمية المنسوبة إليه فإنه لا يعد اعترافاً مهما كانت تلك الواقعة المقر بها ذات صلة بالدعوى ، كإقرار المتهم بقيام ضغينة أو بغضاء بينه وبين المجني عليه ، أو بالتواجد في مكان الجريمة وقت إقترافها ، أو أنه مالك لسلاح الجريمة ، وأن الاعتراف بالتهمة قد يكون كاملاً أو جزئياً فالاعتراف الكامل هو إقرار المشتكى عليه بكل ما نسب إليه ، الاعتراف الجزئي فيكون بأن يقر المشتكى عليه ببعض ما نسب إليه كأن يعترف باقتراف جريمة الضرب دون السرقة أو يقر بالركن المادي للجريمة دون الركن المعنوي ،...الخ ، والاعتراف قد يكون خطياً أو شفهياً ،قضائياً أو غير قضائي ، وهذا يقودنا إلى أقسام الاعتراف ، لأن الاعتراف غير القضائي هو الذي يعنينا وهو الذي يمارسه أفراد الأمن العام في عملهم اليومي وفي إكتشاف الجريمة وفاعلها .

أنواع الاعتراف

1- الاعتراف القضائي : وهو الذي يصدر أمام قضاء الحكم أو أمام المدعي العام ، أي الذي يعترف به المشتكى عليه في مرحلتي التحقيق البدائي والنهائي (المحاكمة).

2- الاعتراف غير القضائي : وهو ما يصدر عن المشتكى عليه في غير مجلس القضاء ، كأن يعترف شخص بإقترافه الجريمة أمام شخص آخر أو أمام أحد أفراد الأمن العام .

 شروط صحة الاعتراف

حتى يعتبر الاعتراف بينة قانونية يمكن للمحكمة الاعتماد عليه في الحكم فثمة شروط لابد من توفرها في الاعتراف وخصوصاً الاعتراف غير القضائي والذي يتم أمام أفراد الأمن العام وهذه الشروط هي :

1- أن يكون صادراً  عن شخص مميز متمتع بإرادة حرة واعية ، فلا يعد اعترافاً صحيحاً ذلك الذي يصدر عن شخص مخدر أو منوم مغناطيسياً أو مكره إكراهاً مادياً أو معنوياً أو بتأثير الحيلة والخداع ، لأنه يكون في هذه الحالة معيب الإرادة مضطرب التفكير لا يدرك نتائج ما أدلى به من أقوال .

2- ألا يكون صادراً بناءاً على إجراء غير قانوني / فما بني على الباطل باطل ، فإذا حصل الاعتراف نتيجة الأفعال أو أثر الاستجواب أمام أحد أعضاء رجال الأمن المناوب كان باطلاً لعدم جواز النيابة في الاستجواب ، وإن جاء الاعتراف على أثر تفتيش باطل كان باطلاً ، وهكذا ، بيد أن الاعتراف لا يكون باطلاً إلا إذا كان متصلاً بالإجراء الباطل ومتأثراً به ، فإذا كان مستقلاً عنه جاز التعويل عليه ، ويعود تقرير اتصاله او إستقلاله لمطلق تقدير محكمة الموضوع حسبما يتكشف لها من ظروف الدعوى وملابساتها .

3- أن يكون محدداً وصريحاً وواضحاً لا لبس فيه ولا غموض ، بحيث لا يحتمل تأويلاً آخر فلا يصح التعويل على اعتراف غامض أو يحتمل أكثر من تأويل ، ثم أن الاعتراف لا يفسر إلا بالمقدار المفهوم منه إذا لم يرد في التحقيق ما يعزز التفسير بصورة أوسع لغير مصلحة المعترف .

4- أن تقدم النيابة العامة البينة على الظروف التي أحاطت به ، وأن تثبت أن الاعتراف الذي أدلى به المشتكى عليه أمام أفراد الأمن العام قد تم بإرادة حرة واعية دون إكراه وبمحض إرادته ، وعادة ما يدلي المشتكى عليه باعتراف واضح وصريح أمام الشرطة وقد يكون هذا بطوعه واختياره ، أو نتيجة الإكراه الذي وقع عليه ، وعند إحالته للحكمة ينكر هذا الاعتراف مدعياً أنه انتزع منه بالإكراه ويطلب المدعي العام إرساله للمعاينة الطبية لإحضار تقرير طبي تأكيداً لما يدعيه ، وعلى إثر ذلك يقوم المدعي العام بسماع أقوال المحقق الذي قام بتدوين أقواله ويسأله هل أدلى بها بطوعه واختياره ؟ ويثبت ذلك في المحضر ، وأثناء مرحلة المحاكمة والتي تكون علنية وأمام الجميع ، وليس كالتحقيق الابتدائي الذي يجريه المدعي العام بحيث يكون سرياً ولا يوجد سوى المدعي العام وكاتبه والمحقق ، وتحصل المواجهة في المحكمة ، بحيث يقوم المشتكى عليه أو محاميه بمناقشة المحقق ، ومن الملاحظ وعلى الأغلب الأعم أن المحقق الذي يقوم بضبط الأقوال لا يمارس الضغط والإكراه على المشتكى عليه ومحاميه وسؤاله هل شاهدت آثار شدة أو عنف على المشتكى عليه قبل سماع أقواله ؟ .

5- اقتناع المحكمة أنه تم الإدلاء  به طوعاً واختياراً وليس نتيجة الضغط والإكراه وإذا لم تقتنع به تطرحه جانباً   .

6- أن يكون اعتراف المشتكى عليه لدى أفراد الأمن العام قد تم فور إلقاء القبض عليه ، ونتيجة سماع أقواله وليس نتيجة لاستجوابه أو مجابهته بالشهود أو المشتبه بهم ، وفي الواقع العملي فإن المحققين من أفراد الأمن العام يلجئون إلى الاستجواب والمواجهة وليس مجرد الاقتصار على سماع الأقوال ،وربما اعتبروا ذلك إنجازاً يسجل لهم وقد يحصلوا على اعترافات التي يريدونها بهذه القضية أو تلك ، وتحال إلى القضاء ليقول كلمة الفصل ولاسيما أن القضية من وجهة نظرهم أنها مكتشفة وبها اعترافات ، ولكن للأسف الشديد يأتي حكم القضاء وعلى رأسه محكمة نظامية لتقول أن الأدلة باطلة كونها لم تقتصر على سماع الأقوال إنما تعدى ذلك ، وكانت النتيجة هي أن الحقيقة لم تكتشف بطريقة مشروعة ، وما بني على الباطل فهو باطل  وأستطاع المشتكى عليه أن ينجو من العقوبة والسبب في ذلك الإجراءات الشرطية التحقيقة ، وكأننا قدمنا له خدمة وساهمنا بطريق مباشر  ودور في حصوله على البراءة .

 القيمة القانونية لاعتراف المشتكى عليه في تحقيقات الشرطة

يمكن القول أن إجتهاد المحاكم قد إستقر على أن إعتراف المشتكى عليه لدى أفراد الأمن العام في التحقيق الأولي يصلح أساساً للحكم ولا يخالف القانون إذا توافرت في الشروط السابقة ، ويجوز للمحكمة الاستناد إلى اعتراف المتهم الذي يؤديه أمام الشرطة بغير حضور المدعي العام إذا اقتنعت أنه قد أداة بطوعه واختياره وبشهادة من ضبط أقواله .

أما إذا لم تتوافر السابقة في الاعتراف فقد استقر اجتهاد المحاكم بأن الاعتراف ليس له قيمة قانونية و لا يصلح أساساً للحكم .

وعليه فإن الاعتراف لم يعد سيد الأدلة ، وقد يكون دليلاً ضعيفاً لاحتمال إقرار الشخص باقتراف الجرم المسند إليه وتحمل مسؤوليته تخليصاً لغيره أو في مقابل نفع يأمله أو ضرر يخشاه .

ثانياُ : جريمة انتزاع الإقرار

قبل بحث أركان هذه الجريمة ، لابد من بيان الأسباب التي قد يلجأ إليها بعض أفراد الأمن العام للتعذيب أثناء التحقيق مع الأشخاص ، ونستطيع أن نجمل هذه الأسباب بما يلي :

1- إن استعمال الشدة والعنف لا يحتاج لتوافر كفاءة خاصة في رجل الشرطة ، فلا يلزم في استخدامه توافر عبقرية معينة أو وسائل منطقية مدروسة .

2- أن تلك الطريقة توفر الوقت والجهد فقليل من التعذيب يوفر أياماً من الأسئلة والأبحاث .

3- أن رجل الشرطة يجوز له ومن حقه أن يتبع نفس الوسائل التي اتبعها المجرم مع ضحاياه والبادئ أظلم .

4- إن إستعمال الشدة والعنف دليل على قوة المحقق وشخصيته وأنه محقق بارع ولا يخشى أي شيء .

5- تسديد القضايا المجهولة ، بحيث يلجأ إلى هذا الأسلوب مع المشتبه به وعندما يعترف بارتكابه جرماً ما يتم توقيفه إدارياً للتوسع معه بالتحقيق ، والمفاجأة أن هذا المشتبه به يعترف بارتكابه عدة جرائم ولا يضبط بحوزته مسروقات أو لا يوجد أي دليل سوى الاعتراف ويحال للمحكمة وتسدد القضايا على أنها مكتشفة ولكن المفأجاة الكبرى عندما يصدر الحكم عليه بالبراءة ، لأن اعترافه كان منتزعاً بالقوة والعنف والإكراه .

أركان الجريمة

1- الركن المادي

يتكون الركن المادي للجريمة من ثلاثة عناصر : الفعل ، النتيجة ، علاقة السببية التي تربط بين الفعل والنتيجة .

حيث تشير النصوص القانونية إلى كل من استعمل أي نوع من أنواع العنف والشدة التي لا يجيزها القانون ، وبالتالي فإن هذه الجريمة من الممكن أن يرتكبها الموظف العام أو أي شخص آخر .

ويتحقق الركن المادي في هذه الجريمة عندما يمس الاعتداء حق الإنذار في سلامة جسمه ، وهذا الحق هو المصلحة التي يحميها القانون ، وأن الجسم هو الكيان الذي يباشر وظائف الحياة ، وأن حق الإنسان في سلامة جسمه له ثلاثة جوانب هي :

·       حقه في الاحتفاظ بمستواه الصحي

·       حقه في الاحتفاظ في مادة جسمه

·       حقه في التحرر من آلام البدن .

 وعلى ذلك فإن أي اعتداء يمس هذه الجوانب يشكل اعتداء على سلامة جسمه ، وينبني على ما سبق بيانه أنه يعد اعتداءا على حق الإنسان في سلامة جسمه ، أي فعل إيذاء يترتب عليه الهبوط في المستوى الصحي للإنسان وذلك بتعطيل أحد أعضائه أو أجهزته عن أداء وظيفتها ولو مؤقتاً ، وكذلك أي إعتداء من شأنه المساس بمادة الجسم ، ويعد كذلك من قبل الاعتداء على سلامة الجسم كل فعل يسبب الآماً للمجني عليه ولو لم يترتب عليه هبوط لمستوى المجني عليه الصحي أو إنقاص لمادة جسدة  ومن قبيل ذلك الضغط على الجسم أو صفع المجني عليه أو لي ذراعه ، كما أن الاعتداء على سلامة الجسم قد ينال الجانب النفسي أو العقلي ، كإزعاج المشتبه به بصورة مستمرة أو إرهابه بشكل يجعله في رعبي دائم أو يسبب له اكتئاباً نفسياً وهذه صورة من صور العنف والشدة( محمد نمور ، 1999، ص 97-98).

 

والشدة والعنف لا تكن على سبيل الحصر وإنما تقع الجريمة بأي فعل يرتكبه الجاني ويكون من شأنه أن يلحق الإيذاء بالمجني عليه ، حيث أن إنتزاع الإقرار يرتكب في الأغلب الأعم بواسطة الضرب، والضرب كما عرف فقهاً بأنه : كل مساس بأنسجة الجسم عن طريق الضغط عليها مساساً لا يؤدي إلى تمزيقها ( محمود حسني ، مرجع سابق ، ص 433)

والضرب يقع بأي وسيلة يستعملها الجاني ، ومهما كان نوعها متى كان من شأنها أن تضغط على أنسجة الجسم ، فتقوم الجريمة ويتحقق الضرب إذا استعمل الجاني أحد أعضاء جسمه في الضرب كأن يستعمل يده ، أو قدمه ، وقد يستخدم الجاني أدوات أخرى كالسوط ، والعصا ، أو أي وسيلة أخرى ، ويستوي أن يوجه الفاعل الأداة إلى المجني عليه ليحقق الضرب بها كأن يركله بقدمه ، أو يلطمه أو يضربه بالعصا ، أو أن يلقي بالمجني علي على الأداة لتحدث أقرها كأن يقوم بجذب الشخص ، وإيقاعه على الأرض ، أو أن يدفعه على جسم صلب ، ولا يشترط في الضرب أن يسبب ألماً للمجني عليه ، فتقع الجريمة إذا كان من شأن الاعتداء أو الشدة والعنف مس جسم مغمى عليه ، أو مخدر ، ولا يشترط أن تتعدد الضربات بل تكفي ضربة واحدة حتى تقوم هذه الجريمة ( فوزية عبدالستار ، 1982 ، ص 118)

 

إلا أن هذه الجريمة لا تقع بالضرب وإنما تقع بالتعذيب بأي صورة كانت وهذا يقودنا إلى أن نقف على مفهوم التعذيب وفق ما إستقر عليه فقهاً :

مفهوم التعذيب : يقصد بالتعذيب كل صورة من صور العنف المباشر – سواء كان مادياً أو معنوياً – الواقع على (متهم) لحمله على الاعتراف ويقصد بالعنف المباشر كل فعل ينطوي عليه إيلاماً نفسي أو جسدي للخاضع للتعذيب ، وبطبيعة الحال لا يمكن تحديد هذه الصورة لسببين :

·       الأول : هو استحالة ذلك من الناحية العملية

·   الثاني : عدم جدوى ذلك إذا لم يحدد المشرع طرقاً معينة تعتبر دون سواها تعذيباً ، كما أنه وفقاً للقواعد العامة فلا عبرة بالوسيلة المستخدمه في ارتكاب الجريمة ما لم يرسم القانون طريقة بعينها لذلك.

 

وهناك طرق حديثة للتعذيب مثل استخدام التنويم المغناطيسي أو استخدام أجهزة كشف الكذب أو الاستجواب تحت تأثير التخدير ، والتعسف في الاستجواب تحت الشمس الحارقة أو البرد القارس لساعات طويلة والحرمان من النوم ( عمر الحسيني ، 1986 ، ص 144-152)

ووفقاً لقرارات الأمم المتحدة فإنه لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب أو التهديد بالحرب ، أو إحاطة الخطر بالأمن القومي ، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي ، أو أية حالة أخرى من حالات الطوارئ العامة لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، مع ملاحظة ما يلي :

·   هذا الحظر مستمد من إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية أو المهينة ، وهو  الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة ، والذي جاء فيه :"إن أي عمل من هذه الأعمال امتهان للكرامة الإنسانية ويجب أن يدان بوصفه إنكاراً لميثاق الأمم المتحدة وإنتهاكاً لحقوق الإنسان  والحريات الأساسية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان .

·   يعرف الإعلان التعذيب كما يلي : يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد جسدياً كان أم عقلياً ، يتم إلحاقه عمداً بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين أو بتحريض منه ، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو أي شخص آخر على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه ، أو تخويف ه أو تخويف أشخاص آخرين ، ولا يشمل التعذيب الآلم أو العناء الذي يكون ناشئاً عن مجرد جزاءات مشروعه أو ملازماً لها أو مترتباً عليها ، في حدود تمشي ذلك مع القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء .

وجريمة تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف هي من الجرائم ذات النتيجة ، ومن ثم فإن النتيجة المعاقب عليها هي الإيذاء الذي يلحق بالمجني عليه ، وأن هذا الإيذاء قد يكون مادياً وقد يكون معنوياً  ، وأن هذه الأهمية لا يشترط فيه أن يكون على قدر معين من الجسامة ، بل أن أي قدر منه يكفي لقيام الجريمة طالما أنه كان بقصد إكراه المجني عليه على الاعتراف .

2- الركن المعنوي

يتوافر الركن المعنوي لجريمة انتزاع الإقرار متى كان الجاني عالماً بأن الشخص الذي يستعمل الشدة والعنف معه مشتبه به في ارتكاب جرم ، وكانت نيته قد اتجهت إلى تحقيق غاية من هذه الشدة والعنف وهي الإقرار بالجريمة أو الحصول على معلومات بشأنها ، وهذا يعني اتجاه رجل الشرطة الصادر منه الإيذاء ، فضلاً عن إيقاع الإيذاء إلى الوصول بالإيذاء إلى نتيجة معينة وهي إعتراف المشتبه به أو الحصول على معلومات بشأن الجريمة ، وهنا نلاحظ أنه لا يكفي أن يتوافر القصد العام في جرائم الإيذاء وهو المساس بجسم المشتبه به ، بل لا بد من توافر قصد خاص وهو حمل المشتبه به على الاعتراف أو الإدلاء بمعلومات حول الجريمة .

ويتوافر القصد الجرمي وتقوم جريمة انتزاع الإقرار سواء تحققت النتيجة التي يريدها أم لم تتحقق ، بمعنى أن المشتبه به اعترف أم لم يعترف ، كما أن القصد الجرمي يتوافر حتى ول استعمل بحق أحد الأشخاص من أجل أن يعترف على غيره بارتكاب الجريمة .

كما أنه لا عبرة للباعث على ارتكاب الجريمة ، فقد يكون القصد منه تسديد القضايا المجهولة أو أن الجاني لبشاعة جريمته يستحق ذلك ،...الخ ، على أنه يجب الإشارة هنا  إلى أن عدم وجود إصابات بالمشتبه به لا يصلح في ذاته وسيلة لنفي قيام التعذيب و لا لنفي الجاني قيام قصده الجنائي ، ومرجع ذلك كما أوضحنا أن العنف والشدة يتحقق سواء كان مادياً أو معنوياً وأن الوسيلة المعنوية تعني أحداث أذى مقصود سواء كان نفسياً أو عقلياً لم يكن موجوداً من قبل ، كما أن بعض الوسائل الحديثة لا تترك أثاراً للتعذيب .

 

عقوبة جريمة انتزاع الإقرار

يمكن القول هنا أن هذه الجريمة تتنوع بها العقوبة بحسب جسامة النتيجة الجريمة المتحققة ، ونضرب هنا مثالاً للقانون الأردني الذي تتخذ فيه العقوبة إحدى الصورتين التاليتين :

1- عقوبة الجريمة بصورتها البسيطة : وهذه العقوبة وردت في صدر المادة حيث جاء في الفقرة الأولى للمادة (208) من قانون العقوبات الأردني : "من سام شخصاً أي نوع من أنواع العنف والشدة التي لا يجيزها القانون بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس لمدة ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات".

ونلاحظ مما تقدم أن عقوبة انتزاع الإقرار في هذه الحالة هو الحبس من  ثلاثة أشهر إلى ثلاثة سنوات وهي الصورة البسيطة التي لا ينتج عنها جرح أو مرض .

2- عقوبة الجريمة بصورتها المشددة : وهي الصورة الثانية لهذه الجريمة والتي تنص عليها المادة (208) من قانون العقوبات الأردني في الفقرة الثانية والتي جاء فيها :"وإذا قضت أعمال العنف والشدة هذه إلى مرض أو جرح كانت العقوبة من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات  ما لم تستلزم تلك العقوبة عقوبة أشد ".

 وأن مصطلح الجرح من الناحية الطبية يتضمن ويشمل جميع النتائج التي تؤدي إلى التفريق بين نسيج ، أو انشطاره سواء كان ذلك النسيج ظاهراً كالجلد مثلاً ، أو أن يكون نسيجاً عظمياً كما في الكسور ، أو كما في حالات تهتك الأحشاء كالكبد والطحال (مؤمن الحديدي ، ص 20)

ونلاحظ أن الفقرة الثانية التي نصت على :"... ما لم تستلزم تلك عقوبة أشد.." فقد ينتج عن ذلك عاهة دائمة ،أو أن يتوفى الشخص فنكون هنا أمام جريمة إحداث عاهة دائمة أو جريمة الضرب المفضي إلى الموت أو القتل المقصود إذا توقع الجاني النتيجة وقبل المخاطرة ( علي ابو زيد ، 2005، ص 38) .

 

القسم الثالث : حقوق السجين أثناء التحقيق

 في ضوء ما سبق وبعد إستعراض مسؤولية بعض رجال الأمن في جريمة إنتزاع الإقرار من بعض السجناء ، وما دمنا بصدد الحديث عن حقوق السجين فلابد من القول أن الحديث عن الحقوق مهم جداً وذلك بسبب أن السجن بشكل عام ما هو إلا قيام بالواجبات التي تفرض على السجين نتيجة للحكم فقضاء فترة حجز معينة ودفع غرامات أو الأشغال الشاقة والإلتزام بالقوانين والأنظمة الخاصة بالسجن كلها واجبات يجب على السجين الإلتزام بها .

ولكن وعند مراجعة الأبحاث والأدبيات الخاصة بالسجون وحقوق وواجبات السجين وجدنا أن غالبيتها يدور حول ما تم إعتماده ضمن القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة الذي عقد في جنيف عام 1955 م والذي يمكن أن نستعرض أهم بنوده كما ذكرها اليوسف في كتابة (البرامج الإصلاحية والتأهيلية في المؤسسات الإصلاحية عام 2005م) على النحو التالي :

1-             ملاحظات تمهيديه خاصة بالمبادئ العامة والقانونية والادارية لعمل السجون .

2-     الجزء الأول والذي يتحدث عن قواعد عامة للتطبيق في معاملة المساجين وعدم التمييز بينهم مع توفر سجل خاص بكل واحد فيهم ، والفصل بين الفئات المختلفة فيهم ، وأماكن الاحتجاز ،النظافة الشخصية ، الطعام ، التمارين الرياضية ، الخدمات الطبية ، الانضباط والعقاب ، أدوات تقييد الحرية ، تزويد السجناء بالمعلومات وحقهم في الشكوى ، الاتصال بالعلم الخارجي ، الكتب ، الدين ، حفظ متاع السجناء ، الإخطار بحالات الوفاة أو المرض أو النقل وغيرها ، موظفو السجن والتفتيش .

3-     الجزء الثاني والذي يتحث عن قواعد تنطبق على فئات خاصة مثل : السجناء المدانون ، المعالجة ، التصنيف الفئوي وإفرادية العلاج ، الامتيازات ، العمل ، التعليم والترفيه ، العلاقات الاجتماعية والرعاية بعد السجن ، السجناء المصابون بالجنون والشذوذ العقلي .

وقد تضمن هذا الجزء من هذه القواعد والذي نعتقد أنه على صلة جزئية بورقتنا هذه ما يلي :   

القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء

 

(جيم) الموقوفون والمحتجزون رهن المحاكم     

84. (1) في الفقرات التالية تطلق صفة "متهم" على أي شخص تم توقيفه أو حبسه بسبب مخالفة لقانون العقوبات ووضع في عهدة الشرطة أو السجن ولكنه لم يحاكم ولم يحكم عليه بعد.
(2) يفترض في المتهم أنه برئ ويعامل على هذا الأساس.
(3) دون المساس بالقواعد القانونية المتعلقة بحماية الحرية الفردية أو التي تنص على الإجراءات الواجبة الإتباع إزاء المتهمين، يجب أن يتمتع هؤلاء بنظام معاملة خاص تحدد القواعد الواردة أدناه عناصر الأساسية.


85. (1) يفصل المتهمون عن السجناء المحكوم عليهم.
(2) يفصل المتهمون الأحداث عن البالغين، ويجب من حيث المبدأ أن يحتجزوا في مؤسسات منفصلة.


86. يوضع المتهمون في غرف نوم فردية، ولكن رهنا بمراعاة العادات المحلية المختلفة تبعـا للمناخ.


87. للمتهمين إذا رغبوا في ذلك، في الحدود المتفقة مع حسن سير النظام في المؤسسة، أن يأكلوا ما يريدون على نفقتهم بأن يحصلوا على طعامهم من الخارج إما بواسطة الإدارة أو بواسطة أسرتهم أو أصدقائهم. فإذا لم يطلبوا ذلك كان على الإدارة أن تتكفل بإطعامهم.


88. (1) يسمح للمتهم بارتداء ثيابه الخاصة إذا كانت نظيفة ولائقة.
(2) أما إذا ارتدى ثياب السجن فيجب أن تكون هذه مختلفة عن اللباس الموحد الذي يرتديه المحكوم عليهم.


89. يجب دائمـا أن يعطى المتهم فرصة للعمل، ولكن لا يجوز إجباره عليه. فإذا اختار العمل وجب أن يؤجر عليه.


90. يرخص لكل متهم بأن يحصل، على نفقته أو نفقة آخرين، وفى الحدود المتفقة مع صالح إقامة العدل ومع أمن السجن وانتظام إدارته، على ما يشاء من الكتب والصحف وأدوات الكتابة وغيرها من وسائل قضاء الوقت.


91. يرخص للمتهم بأن يزوره ويعالجه طبيبه أو طبيب أسنانه الخاص، إذا كان لطلبه مبرر معقول وكان قادرا على دفع النفقات المقتضاه.


92. يرخص للمتهم بأن يقوم فورا بإبلاغ أسرته نبأ احتجازه، ويعطى كل التسهيلات المعقولة للاتصال بأسرته وأصدقائه وباستقبالهم، دون أن يكون ذلك مرهونـا إلا بالقيود والرقابة الضرورية لصالح إقامة العدل وأمن السجن وانتظام إدارته.


93. يرخص للمتهم، بغية الدفاع عن نفسه، بأن يطلب تسمية محام تعينه المحكمة مجانـا حين ينص القانون على هذه الإمكانية، وبأن يتلقى زيارات محامية إعدادا لدفاعه وأن يسلمه تعليمات سرية. وعلى هذا القصد يحق له أن يعطى أدوات للكتابة إذا طلب ذلك. ويجوز أن تتم المقابلات بين المتهم ومحامية على مرمى نظر الشرطي أو موظف السجن، ولكن دون أن تكون على مرمى سمعه.

 

 

 (هاء) الأشخاص الموقوفون أو المحتجزون دون تهمة

95. دون الإخلال بأحكام المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يتمتع الأشخاص الموقوفون أو المحتجزون دون أن توجه إليهم تهمة بذات الحماية التي يضمنها الجزء الأول والفرع "جيم" من الجزء الثاني كذلك تنطبق عليهم الأحكام المناسبة من الفرع "ألف" من الجزء الثاني حينما كان من الممكن أن يعود تطبيقها بالفائدة على هذه الفئة الخاصة من المحتجزين، شريطة ألا يتخذ أي تدبير يفترض ضمنا أن إعادة التعليم أو إعادة التأهيل يمكن على أي نحو أن يكونا مناسبين لأشخاص لم يدانوا بأية جريمة جزائية.

 

وقد تم الإشارة إلى هذا الجزء على إعتبار أن غالبية إجراءات التحقيق مع السجناء تتم ضمن هذه الفترة وهي الحجز رهن المحاكمة ، ولكن وعند إستعراض هذه البنود نجد ما يلي :

1-             لقد ضمنت القواعد حق السجين في ما يلي :

·       التمتع بنظام معاملة خاصة تختلف عن الأشخاص الذين ثبت عليهم التهمة

·       الفصل بينهم وبين المحكوم عليهم

·       الحصول على غرف نوم منفردة

·       أكل وجبات خاصة على نفقتهم دون التقيد بوجبات الطعام التي تقدمها المؤسسات الاصلاحية

·       إرتداء الثياب التي إعتاد عليها

·       إختيار فرصة العمل الخاصة به

·       الحصول على الكتب وأدوات الكتابة

·       المعالجة وزيارة الطبيب وطبيب الأسنان

·       إبلاغ أسرته بالحجز

·       تسمية محام خاص .

2-     ولكن ومع ذكر هذه الحقوق والتي نعتقد أنها جزء من حقوق السجين أثناء فترة التحقيق ، إلا أننا نرى بعض الانتهاكات التي تتم من بعض المؤسسات الاصلاحية في عدم مراعاة هذه الحقوق وذلك من خلال القيام بجريمة إنتزاع الإقرار من بعض المتهمين من أجل إنهاء إجراءات المحاكمة بأسرع وقت ممكن .

 

 

ومع ذلك نرى أن هناك نقصاً في الدراسات والأبحاث - حسب حدود علم الباحث – التي تتناول الحديث عن فترة التحقيق ويمكن أن نعزي هذا النقص للأسباب التالية :

1-             إنشغال الباحثين في تناول الجريمة كفعل والبحث عن أسبابها

2-     إنشغال الباحثين في تناول الحديث عن الإجراءات والمبادئ التنظيمية الخاصة بالمؤسسات الإصلاحية أكثر من السجناء أنفسهم .

3-     الطبيعة القانونية للحديث عن حقوق السجين أثناء التحقيق ربما يكسبها طابع الجمود وبالتالي يبقيها في مجرد نصوص .

4-              اختلاف القوانين والأنظمة المطبقة بين الدول في التعامل مع السجناء .

5-             وجود فجوة قانونية في الأصل أي عدم إشارة القوانين إلى حقوق السجين أثناء التحقيق .

6-     النظرة السلبية من قبل الباحثين للمتهمين على أنهم مجرمين ويجب أن ينالوا عقابهم (الوصمة القانونية) أبعدت الباحثين في تناول هذه القضية .

7-     نقص المعلومات الشديد عن ما يدور ما بين المحقق والمتهم أثناء فترة التحقيق (أو ما يطلق عليه من أجل الحفاظ على سرية التحقيق) لا تساعد الباحثين على تناول هذه القضية .

8-             عدم قدرة الباحثين على إختراق أسوار السجون ومعرفة ما يدور بداخلها من تحقيق وخلافه .

9-             أسباب لوجستية ومنهجية ومادية أخرى تتمثل في عدم وجود من يرعى مثل هذه الأبحاث .

 

 وعليه ونظراُ لما توليه الجهة الراعية لهذه الندوة من الوصول لكل ما هو جديد فإنني أقدم هذه الإستراتيجية الخاصة في حقوق المتهم أثناء التحقيق والتي آمل أن تكون بمثابة توصيات خاصة لهذه الورقة.

 

إستراتيجية حقوق المتهم أثناء التحقيق

تتكون هذه الإستراتيجية من أربعة أطراف رئيسة تتمثل فيما يلي :

1- القانون ونظام التحقيق

2- مكان التحقيق

3- المحقق (بكسر القاف)

4- المتهم (المحقق –بفتح القاف- معه )

 

أولاً : القانون ونظام التحقيق

يقصد بالقانون ونظام التحقيق هنا : قيام جميع الدول بصياغة مجموعة من القواعد والقوانين والمبادئ الخاصة والمتعلقة بإجراءات التحقيق  وبالرغم من أن غالبية هذه الاجراءات موجودة ورقياً في بعض الدول إلا أن الممارسات تثبت عكس ذلك ، لذا نوصي بحيث بمراعاة ما يلي :

1-             المبادئ العامة لحقوق الإنسان ( من الحق في الحياة والطعام والشراب والتعليم والصحة والأمن وغيرها ..)

2-  تجريم التعذيب أثناء التحقيق

يعرّف التعذيب حسب اتفاقية مناهضة التعذيب بأنه أي عمل نتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه.. وهذا المفهوم قد توسع ليشمل التخويف، والحرمان الحسي وخطر التخاطب، وأوضاع الاعتقال اللاإنسانية، والتجارب الطبية التي تتم على السجناء دون رضاهم، والعقوبات الجسدية باستخدام القوة المفرطة.

وهناك ضروب تعذيب خاصة بالمرأة كالاغتصاب والأذى الجنسي واختبار البكارة والإجهاض القسري.

ويحظر التعذيب وسوء المعاملة في جميع الأوقات والظروف ولا يمكن القبول بمحاولات تبرير استخدام التعذيب في بعض الظروف.

3- توضيح جميع الإجراءات الخاصة بالتحقيق وعدم ترك المجال أمام إجتهاد المحققين .

4- فصل القانون بين الجرائم المختلفة بحيث توضع إجراءات التحقيق لكل جريمة على حده وليس مبادئ عامة تطبق على كل الجرائم .

5- مرونة القانون من الإستجابة للمتغيرات العصرية

6- مراعاة القانون لفئات المتهمين على مختلف أصنافهم .

 

ثانياً : مكان التحقيق

يقصد بمكان التحقيق هنا الأماكن التي تستقبل المتهمين بمختلف التهم الجنائية أو السلوكيات المخالفة للقوانين والتي يجب أن تتضمن ما يلي :

1-             أن لا تكون هي نفسها التي يتم فيها الإصلاح والعقوبة.

2-             أن لا توحي بأنها مؤسسات ذات طابع أمني بحيث تؤثر على نفسية المتهم

3-             البعد عن الشكل النمطي والتقليدي لغرف التحقيق ( غرفة خالية ويوجد فيها فقط كرسي وطاولة ).

4-             التهوية وتوفر الشروط الصحية.

5-             أن تكون ملائمة لجميع أوقات السنة كأن يتم توفير التدفئة في البرد والتكييف في أوقات الحر .

6-             أن تكون قريبة من الناس وباقي الموظفين بحيث أن يتم سماع المتهم في حال أن إستغاث نتيجة لاستفراد المحققين به.

7-     أن تحتوي على وسائل الإتصال والتسجيل الحديثة في حال رغبة المتهم في تسجيل التحقيق على أشرطة الفيديو .

 

 

 

 

ثالثا:ً المحقق

وهو الشخص الذي يقوم بإستجواب المتهم من أجل الحصول على معلومات خاصة بالتهمة محل التحقيق ويجب أن يتصف بالمواصفات التالية :

1-             أن لا يكون قد ثبت عليه أنه قام بممارسة التعذيب في أوقات سابقة

2-             أن يكون تابع لجهات ذات طابع قانوني وليس جهات أمنية

3-             المعرفة والتدريب والتعليم المستمر بقوانين حقوق الإنسان

4-             أن يتقن التحقيق في مجال جريمة معينة وليس كل الجرائم

5-             أن يوافق على قيامه بالتحقيق وفق شروط معده مسبقاً

6-     أن يعرف أنه لن يكافأ بأنه فقط إذا حصل على إقرار من المتهم، وأن لا يشعر من خلال قوانين أو أعراف العمل بأنه ضد المتهم  .

7-             أن يراعي جميع الظروف التي يمر بها المتهم (النفسية ، الصحية ، الاجتماعية وغيرها

8-             أن يستعين بالخبراء والمختصين في حال مواجهة أي قضية خاصة بصحة أو ظروف المتهم .

9-             أن يقوم بالتوقيع على نظام التحقيق الخاص الذي سيتم وضعه سلفاً .

10-       أن يسمح بحضور محامي المتهم والأطباء عند الضرورة .

 

رابعاً : المتهم

وهو الشخص الذي تم إستدعائه من أجل التحقيق معه في أي قضية أتهم بها حسب القانون ، ويجب مراعاة ما يلي :

1-             أن لا يوصم بالمجرم حتى تتم التهمة بالشهود والدلائل القانونية.

2-             أن تراعى ظروفه الصحية والنفسية

3-             أن يسمح له بمراجعة المحامي قبل الادلاء بأية أقوال .

4-             أن يسمح له بإستدعاء الشهود

5-             أن يشارك بإجراءات التحقيق وفق الممكن .

6-             أن يسمح له بوجود أحد أفراد عائلته .

7-             حقه في الحصول على تعويض مناسب في حال أن ثبت براءته .

8-             حقه في الدفاع عن نفسه في الطرق القانونية المناسبة

9-             أن يترك له حرية الاختيار في تسجيل جلسة التحقيق .

عودة إلى العلوم الأمنية >>
 

 



جميع الحقوق محفوظة - مراد زريقات